السيد محمد بيرم الخامس التونسي

172

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

وهو غير مستعمل ، وفيه من الأزهار المستنبتة زهر البنفسج وينبت بنفسه أيضا في زغوان وغيره من أماكن المياه الكثيرة ، وهكذا الورد والياسمين بأنواعهما والفل والقرنفل على أنواع شتى وغير ذلك من الزهور الطيبة الزكية ، بحيث تكون جبال هذا القطر وأوديته وبساتينه أيام الربيع وأواخر الشتاء وأوائل الصيف روضة نضرة بألوان النبات المخضرة به الأرض وأنواع الزهور والنور المختلف الأشكال والروائح . ومما ينبت بنفسه القرنين الخارج من الخرشف الذي يقال أنه الجزر والسكوم ، وينبت فيه جميع النباتات من الكلأ البري ومن أحسنه لغذاء الحيوانات النجم وفي الجهات الشمالية آجام وغياض وغابات عظيمة غنية ، وأشهرها : غابة طبرقة ، يستخرج منها الأخشاب لبناء السفن والخفاف وأعواد السقوف من الطرفا وغيرها ، مع المتانة والدوام ، والعجب أنها مع كثرتها فتجارة الأخشاب المجلوبة من أوروبا رائجة في أغلب حواضر القطر ، ولتلك الغابات أشجار عظيمة جدا ، ذكر لي ثقة : « أنه رأى في غابة طبرقة شجرة من الزيتون أحاط بساقها ستة عشر رجلا ، كل منهم فاتح يديه للغاية ليمسك صاحبه » . وأشجار تلك الغابات هي الذرو والصفصاف والبلوط والبندق والقسطل والزان والفرنان ، ومنه يستخرج الخفاف وقشره لدبغ الجلود ، وفيه تجارة رائجة وشجر النشم والدردار والعرعار وغيرها من غير ذات الثمر . كما يوجد فيها ذات الثمر نحو الجوز ، ولأخشابه سوق نافعة كما لعروقه أيضا ، فإنهم يأخذون قشرها ويستعملونه للصبغ وغيره ، وأكثر هذا في جبل زغوان وكل تلك الأشجار والغابات نابتة بنفسها من غير حراسة إلا لحفظ طبرقة من جهة البحر ، لأن للحكومة معلوما على الخفاف وهي مختصة بأخشاب السفن ، كما لها معلوم على نوع من قشر الفرنان المستعمل للدبغ وبقية المنافع مكنوزة أو ضائعة . ويستنبت في جميع جهات القطر شجرة الزيتون المباركة إلا في الجهة الضاربة للجنوب وكيفية غراسته على أنواع . فمنها : أن يؤخذ قطعة من الفروع الغضة بأوراقها وفروعها فتغرس وتبقى الفروع ظاهرة ويسمى الشطبة وهو أردؤها . ومنها : أن يقطع من فروع الشجرة ما بلغ ولم يجف ويقطع في طول ذراع ثم يحفر إليه عمق ذراعين في طولهما وعرضهما ، وتلقى تلك القطعة المسماة بالقنوط هناك ممتدة مع خلط التراب الذي تردم به بالسرقين وهو المسمى عندهم بالغبار . ومنها : ما يؤخذ من قاعدة الشجرة الجافة عند بدو اللقاح منها ويقطع بآلة من حديد مكركبا ، حيث أن أصل خلقته في القاعدة كذلك إلى أن يبقى ماسكا للأصل